محمد هادي معرفة

394

شبهات وردود حول القرآن الكريم

لعقيدة ارتآها أو دفعا لما سلكه خصماؤه . وفي غضون هذا التدافع والتخاصم كانت معالم الشريعة هي التي وقعت عرضة الأهواء ومتضارب الآراء ، وأصبح قسم كبير من بيّنات الآيات والسنن متشابهات ، وقد أحاطت بها هالات من الإبهام والإجمال ، فصار ما كان محكما بالأمس متشابها وما كان بيّنا ، مستطرقا طرق الظلام . هذا هو الحدث الجليل الذي عاد بسيّئاته إلى حوزة الشريعة الغرّاء . وهذا في أكثرية النصوص التي تعرّضت لصفاته تعالى الجلال والجمال وشؤون الخليقة والتدبير وما شابه . أمّا المتشابه الأصل فهو أقلّ القليل من آيات تعرّضت لمعان مستجدّة على العرب هي ذوات مفاهيم رفيعة ومتوسّعة سعة الآفاق ، كانت القوالب اللفظية - الموضوعة عند العرب - تضيق عن حملها والإيفاد بها . ومن ثمّ جاءت في قوالب الاستعارة والتشبيه القاصرة - بطبيعة الحال - عن إفادة كمال المراد . وهذا من قصور يعود إلى القابل ولا يمسّ شأن الفاعل ، كما لا يخفى . وقد قدّمنا الكلام عن تفاصيله . أمّا ولم أودعت هذه اللّمة من عديد آيات رفيعة المنال ضمن نصوص القرآن الكريم وهي معروضة على العامّة لتكون بيانا للناس كافّة ؟ هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ . « 1 » فيعود السبب إلى كونها ودائع أودعت لدى هذه الامّة لتكون رصيدا لها وذخرا وفيرا في مسيرة الشريعة الأبدية ، كلّما تقدّم الزمان ظهرت منه آيات بيّنات لتنير الدرب على مدى الأيّام . إنّ لهذه الآيات إشعاعات تشعّ بأطيافها متناسبة مع الظروف والشرائط المؤاتية في كلّ زمان ، فيوما حسب ظاهرها البدائي على حدّ ترجمة الألفاظ ، ويوما معاني أعمق فأعمق حسبما تتعمّق العقول وتنضج الأفكار . وهذا من حكمته تعالى حيث جعل من هذه الشريعة شريعة الخلود . الأمر الذي لم يجعل القرآن - حتّى في مثل هذا المتشابه من الآيات - يوما ما في موضع حيرة للامّة لا يعقلون منه شيئا ، نعم ، سوى ما كان منه يحتاج

--> ( 1 ) آل عمران 3 : 138 .